ابن أبي العز الحنفي

51

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )

" أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ، وَفِطْرَةُ الْإِسْلَامِ : هِيَ مَا فَطَرَ عَلَيْهِ عِبَادَهُ مِنْ مَحَبَّتِهِ وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَالِاسْتِسْلَامُ لَهُ عُبُودِيَّةً وَذُلًّا وَانْقِيادًا وَإِنَابَةً . فَهَذَا تَوْحِيدُ خَاصَّةِ الْخَاصَّةِ ، الَّذِي مَنْ رَغِبَ عَنْهُ فَهُوَ مِنْ أَسْفَهِ السُّفَهَاءِ . قَالَ تَعَالَى : { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } ( 1 ) . وَكُلُّ مَنْ لَهُ حِسٌّ سَلِيمٌ وَعَقْلٌ يُمَيِّزُ بِهِ ، لا يَحْتَاجُ فِي الِاسْتِدْلَالِ إِلَى أَوْضَاعِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْجَدَلِ وَاصْطِلَاحِهِمْ وَطُرُقِهِمْ الْبَتَّةَ ، بَلْ رُبَّمَا يَقَعُ بِسَبَبِهَا فِي شُكُوكٍ وَشُبَهٍ يَحْصُلُ لَهُ بِهَا الْحَيْرَةُ بِالضَّلَالِ وَالرِّيبَةِ ، فَإِنَّ التَّوْحِيدَ إِنَّمَا يَنْفَعُ إِذَا سَلِمَ قَلْبُ صَاحِبِهِ مِنْ ذَلِكَ . وَهَذَا هُوَ الْقَلْبُ السَّلِيمُ الَّذِي لَا يُفْلِحُ ( 2 ) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِهِ . وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّوْعَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ مِنَ التَّوْحِيدِ ، الَّذِي ادَّعَوْا أَنَّهُ تَوْحِيدُ الْخَاصَّةِ وَخَاصَّةِ الْخَاصَّةِ ، يَنْتَهِي إِلَى الْفَنَاءِ الَّذِي يُشَمِّرُ إِلَيْهِ غَالِبُ الصُّوفِيَّةِ ، وَهُوَ دَرْبٌ خَطِرٌ ، يُفْضِي إِلَى الِاتِّحَادِ ، [ انْظُرْ إِلَى مَا أَنْشَدَه ] ( 3 ) شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو إِسْمَاعِيلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ يَقُولُ شعرا : مَا وَحَّدَ الْوَاحِدَ مِنْ وَاحِدٍ . . . إِذْ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جَاحِدُ تَوْحِيدُ مَنْ [ يَنْطِقُ عَنْ نَعْتِهِ ] . . . عَارِيَّةٌ أَبْطَلَهَا الْوَاحِدُ تَوْحِيدُهُ إِيَّاهُ تَوْحِيدُهُ . . . وَنَعْتُ مَنْ يَنْعَتُهُ لَاحِدُ وَإِنْ كَانَ قَائِلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الِاتِّحَادَ ، لَكِنْ ذَكَرَ لَفْظًا مُجْمَلًا مُحْتَمَلًا

--> ( 1 ) سورة الْبَقَرَةِ الآيتان : 130 - 131 . ( 2 ) في الأصل : ( لا يصلح ) والصواب ما أثبتناه ، كما في سائر النسخ . ن . ( 3 ) في الأصل : ( الاتحاد ، إلى ما أنشد . ) والصواب ما أثبتناه ، كما في سائر النسخ . ن .